محتويات المقال
الإقرار القضائي من أهم وسائل الإثبات؛ فحجيته القوية تجعل الواقعة محل الإقرار ثابتة في مواجهة المقر، وتعفي الطرف الآخر من عبء الإثبات، لكنه يخضع لضوابط وأحكام دقيقة تضمن عدالته وتمنع إساءة استخدامه.
يقدّم هذا المقال فهمًا شاملًا ومبسطًا لأحكام الإقرار القضائي؛ بما يعزز الوعي القانوني، ويمكّن من الاستفادة المثلى من هذه الوسيلة المهمة في إثبات الحقوق وحمايتها، وفق نظام الإثبات السعودي.
ما شروط الشخص المُقر؟
«1- يشترط أن يكون المقر أهلاً للتصرف فيما أقر به. 2- يصح إقرار الصغير المميز المأذون له في البيع والشراء بقدر ما أذن له فيه. 3- يصح الإقرار من الوصي أو الولي أو ناظر الوقف أو من في حكمهم فيما باشروه في حدود ولايتهم».

وبيان شروط الشخص المُقر على النحو الآتي:
1- تعريف الأهلية وأهميتها في الإقرار: لا يُعتد بالإقرار إلا إذا صدر عن شخص تتوافر فيه الأهلية القانونية، وتعني الأهلية أن يكون المقر قادرًا على التصرف في الحق الذي يقر به. والمحكمة مُلزَمة بالتحقق من توافر الأهلية في المقر عند النظر في صحة الإقرار، وفق المادة (28) من الأدلة الإجرائية.
2- حالات عدم صحة الإقرار بسبب نقص الأهلية:
- المجنون: إقراره غير صحيح لأنه ليس أهلاً للتصرف.
- الصغير غير المميز: إقراره غير صحيح لعدم الأهلية، إلا إذا كان صغيرًا مميزًا ومأذونًا له بالتصرف فيما أقر به.
- المكره: إقراره غير صحيح بسبب وجود عيب في رضاه.
- المحجور عليه: إقراره غير صحيح فيما يتعلق بالأمور المحجور عليه فيها. ومع ذلك، يُعتد بإقراره في الأمور غير المحجور عليه فيها، مثل الزواج أو الطلاق، مع مطالبته بتنفيذ الإقرار بعد رفع الحجر عنه.
3- أحكام خاصة بإقرار الصغير المأذون له بالتصرف: يُعتبر إقرار الصغير المأذون له صحيحًا فيما أُذن له فيه، وكأنه صدر عن بالغ رشيد. وتتحقق المحكمة من وجود الإذن اللازم للتصرف الذي أقر به الصغير، والمرجع في تحديد التصرفات المأذون فيها له هو ما ورد في نظام المعاملات المدنية.
4- إقرار الولي أو الوصي أو الناظر: يكون صحيحًا إذا صدر في حدود صلاحياتهم. ويُعتبر الحارس القضائي والمصفي في حكم الوصي أو الناظر، ويُعتد بإقرارهم في نطاق ولايتهم، ولا يؤثر زوال صفة الوصي أو الناظر في حجية الإقرار بعد صدوره.
5- إقرار الوكيل: لا يملك الوكيل حق الإقرار عن موكله إلا إذا تضمنت الوكالة تفويضًا خاصًا بالإقرار، وفقًا للمادة (51) من نظام المرافعات الشرعية والمادة (20) من الأدلة الإجرائية.
6- دور المحكمة: تتحقق المحكمة من أهلية المقر أو صفته، سواء كان وليًا أو وصيًا أو ناظرًا أو وكيلاً، ومن صحة الإقرار في حدود صلاحياته.
كيف يصدر الإقرار وما شروط قبوله؟
«1- يكون الإقرار صراحة أو دلالة، باللفظ أو بالكتابة. 2- لا يقبل الإقرار إذا كذبه ظاهر الحال».
كيف يصدر الإقرار؟
يصدر الإقرار بطريقتين:
- الإقرار الصريح: لا يشترط لفظ معين، وإنما يكفي التصريح بفعل الإقرار بشكل واضح.
- الإقرار الضمني: يتضمن التصريح بأمر يؤدي حتمًا إلى إثبات الواقعة المدعى بها؛ مثل أن يجيب المدعى عليه بأنه وفّى القرض أو يطلب تأجيل الوفاء، فهذا يُعد إقرارًا ضمنيًا بالقرض.
وسواء كان الإقرار صراحة أو دلالة، فيمكن أن يكون شفهيًا أو مكتوبًا؛ كما في الإقرارات المدونة في المحررات العادية أو المذكرات المقدمة للمحكمة.
إقرار الأخرس أو من في حكمه يكون بالكتابة، فإن لم يكن قادرًا على الكتابة، فيكون بإشارته المعتادة.
ما حكم الإقرار الذي يكذبه ظاهر الحال؟
الإقرار الذي يتعارض مع ظاهر الحال غير مقبول، سواء كان قضائيًا أو غير قضائي، ومن أمثلته:
- إقرار شخص بواقعة حدثت قبل ولادته.
- إقرار شخص ببنوة شخص آخر أكبر منه سنًا.
إذا انقسم الإقرار إلى جزأين، أحدهما يكذبه ظاهر الحال والآخر لا، فالجزء المقبول هو الذي لا يكذبه ظاهر الحال، بشرط أن يكون الإقرار قابلاً للتجزئة، وفقًا للمادة (18) من نظام الإثبات.
ما حجية الإقرار القضائي؟
«الإقرار القضائي حجة قاطعة على المقر، وقاصرة عليه».

1- الإقرار القضائي حجة قاطعة: يتمتع الإقرار القضائي بحجية قاطعة؛ مما يجعل الواقعة موضوع الإقرار ثابتة بحق المقر، ويعفي الطرف الآخر، أي المقر له، من تقديم أدلة لإثباتها.
2- عدم جواز إثبات عكس الإقرار القضائي: لا يُسمح للمقر بإثبات عكس إقراره، ولا تملك المحكمة صلاحية نقض دلالته؛ فهو ملزم لها دون أي سلطة تقديرية، مع استثناء ما ورد في الفقرة (2) من المادة (16) من نظام الإثبات.
3- إبطال الإقرار: رغم حجية الإقرار، يمكن للمقر طلب إبطاله إذا كان نتيجة غلط أو تغرير أو إكراه، كما توضحه أحكام المادة (18) من النظام.
4- ثبات الحجية رغم زوال بعض الظروف: لا تزول حجية الإقرار القضائي بزوال صفة النائب الذي أصدر الإقرار، أو عند اعتبار الدعوى كأن لم تكن، أو حتى إذا نُقض الحكم أو أُلغي، وفق المادة (30) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات.
5- حجية الإقرار القضائي قاصرة على المقر: يلزم الإقرار القضائي المقر فقط، ولا يسري على الغير إلا في حالات محددة:
- الخلف العام: يسري إقرار المورث على الورثة باعتبارهم خلفًا عامًا.
- عدم إلزام الشركاء أو الورثة الآخرين: لا يلزم إقرار الشريك باقي الشركاء، ولا يسري إقرار المالك في المال الشائع إلا في حدود نصيبه، كما لا يلزم إقرار أحد الورثة بقية الورثة.
وتهدف هذه الحدود في حجية الإقرار إلى حماية حقوق الغير؛ فلا يُعتبر الإقرار حجة عليهم لأنهم لم يشاركوا في الدعوى ولم تتح لهم فرصة الدفاع عن حقوقهم.
هل يجوز الرجوع عن الإقرار؟
«۱- يلزم المقر بإقراره، ولا يقبل رجوعه عنه. ٢- لا يتجزأ الإقرار على صاحبه، إلا إذا انصب على وقائع متعددة، وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى».

1- القاعدة العامة: الإقرار، سواء كان قضائيًا أو غير قضائي، يُلزم المقر فور صدوره منه، بشرط أن يصدر عن شخص يتمتع بالأهلية المعتبرة وأن يستوفي شروطه النظامية.
2- أثر الإقرار: لا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره متى استوفى شروطه، ولا يحتاج الإقرار إلى قبول من المقر له أو إلى حضوره وقت صدوره. ويحق للمقر له الاطلاع على مضمون الإقرار ومناقشة المقر، كما يمكنه رد الإقرار؛ وفي هذه الحالة يسقط الإقرار ويعود إثبات الدعوى وفق النظام.
3- الإقرار الصحيح: يشترط أن يكون خاليًا من عيوب الإرادة، وهي الغلط والتغرير والإكراه. ويقع عبء إثبات وجود عيب في الإرادة على عاتق المُقِر؛ لأنه يدعي البطلان، والأصل سلامة الإقرار وصحته. وطلب إبطال الإقرار لوجود عيب في الإرادة لا يُعتبر رجوعًا عنه، بل تصحيحًا لعيب فيه.
وارث يقر بوجود دين على مورثه، ثم يجد لاحقًا مستندًا يثبت سداد الدين؛ فيكون هذا الإقرار مخالفًا لظاهر الحال، ويجوز الرجوع فيه.
متى يجوز تجزئة الإقرار وما أنواعه؟
الإقرار، بحسب الأصل، لا يجوز تجزئته. ومع ذلك، يجب التفريق بين أنواعه المختلفة؛ إذ يحدد النظام قواعد خاصة لكل نوع.

| النوع | التعريف | حكم التجزئة | المثال |
|---|---|---|---|
| الإقرار البسيط | إقرار مطابق تمامًا لما يدعيه الخصم، دون تعديل أو إضافة | لا يقبل التجزئة | الإقرار بالقرض المؤجل وبالأجل كما ادعاه المدعي |
| الإقرار الموصوف | إقرار بالواقعة مع وصف مرتبط بها نشأ معها في الوقت نفسه ولا يقبل الفصل عنها | لا يُجزأ؛ فيُقبل كله أو يُرفض كله | الإقرار بالدين مع إضافة أجل للسداد |
| الإقرار المركب | إقرار بواقعتين متتاليتين أو أكثر، إحداهما لاحقة للأخرى ومستقلة عنها | يقبل التجزئة | الإقرار بالدين ثم الادعاء بالوفاء |
ما الإقرار البسيط (التام أو الكامل)؟
- التعريف: هو إقرار الشخص بالحق بشكل مطابق تمامًا لما يدعيه خصمه، دون أي تعديل أو إضافة.
- الخصائص: يتطابق هذا النوع من الإقرار كليًا مع موضوع الدعوى، ولا يقبل التجزئة.
- مثال: إذا ادعى المدعي بقرض مؤجل، وأقر المدعى عليه بالقرض والأجل، فهذا يُعد إقرارًا بسيطًا لا تجوز تجزئته.
ما الإقرار الموصوف؟
1- التعريف: هو الإقرار بالواقعة المدعى بها، مع إضافة وصف مرتبط بها نشأ معها في الوقت نفسه ولا يقبل الفصل عنها.
2- الخصائص: لا يُجزأ؛ فإما أن يقبله المقر له بكامله أو يرفضه بكامله. وإذا رفض المقر له الإقرار بكامله، عاد الإثبات إلى القواعد المنصوص عليها في النظام، وقد شرحناها في مقال البينة على من ادعى.
3- طريقة الإثبات عند رفض الإقرار: ما يجب إثباته كتابة يُثبت بالكتابة، وما يمكن إثباته بالشهادة يُثبت بالشهادة. ويتحمل المدعي عبء إثبات الدين الذي يدعيه، بينما يتحمل المدعى عليه عبء إثبات الوصف، مثل الأجل، الذي أضافه.
4- حق المقر له في إثبات عكس الواقعة المضافة: يمكن للمقر له إثبات عكس ما أضافه المقر إلى الواقعة، وفق قواعد الإثبات النظامية، مثل الكتابة أو الشهادة.
5- مثال: إذا أقر المدين بدين يزيد على مائة ألف ريال، ولكنه أضاف أجلاً للسداد، فإن إثبات أن الدين حال يُثبت بالكتابة؛ لأن الدين محل الإقرار لا يُثبت إلا كتابة بحسب الأصل.
ما الإقرار المركب؟
- التعريف: هو الإقرار الذي يتضمن واقعتين متتاليتين أو أكثر، بحيث تكون إحداهما لاحقة للأخرى، ولا تعتمد إحداهما على الأخرى.
- الخصائص: يقبل التجزئة؛ لأن الوقائع الواردة فيه متعددة ومستقلة بعضها عن بعض، فيمكن الأخذ بجزء من الإقرار ورفض الجزء الآخر.
- مثال: إذا أقر شخص بوجود دين عليه ثم أضاف أنه قد وفاه، يُقبل الإقرار بالدين، أما الإقرار بالوفاء فيُعتبر دعوى مستقلة تحتاج إلى دليل لإثباتها.
ما دور المحكمة في تجزئة الإقرار؟
- عند دفع أحد الخصوم بتجزئة الإقرار، يجب على المحكمة أن تفصل في هذا الدفع بالقبول أو الرفض وفقًا لأحكام النظام.
- تلتزم المحكمة بتوضيح أسباب قرارها بقبول تجزئة الإقرار أو رفضها في المحضر الرسمي.
«في حال الدفع بما يترتب عليه تجزؤ الإقرار، فعلى المحكمة أن تُقرر ما تراه، وتبين أسباب ذلك في المحضر».
أسئلة شائعة عن الإقرار القضائي
هل يجوز الرجوع عن الإقرار القضائي؟
لا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره متى استوفى شروطه النظامية. أما طلب إبطاله بسبب غلط أو تغرير أو إكراه فلا يُعد رجوعًا عنه، بل طلبًا لتصحيح عيب فيه، ويقع عبء إثبات العيب على المقر.
هل يسري الإقرار القضائي على غير المقر؟
الأصل أن حجية الإقرار القضائي قاصرة على المقر. ويسري إقرار المورث على الورثة باعتبارهم خلفًا عامًا، بينما لا يلزم إقرار الشريك بقية الشركاء، ولا إقرار أحد الورثة بقية الورثة.
متى يقبل الإقرار التجزئة؟
يقبل التجزئة إذا انصب على وقائع متعددة ومستقلة، وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتمًا وجود الوقائع الأخرى. أما الإقرار البسيط والموصوف فلا يقبلان التجزئة.
هل يقبل الإقرار إذا كذبه ظاهر الحال؟
لا يُقبل الإقرار إذا كذبه ظاهر الحال، سواء كان قضائيًا أو غير قضائي. وإذا أمكن تجزئته، قُبل الجزء الذي لا يكذبه ظاهر الحال دون الجزء الآخر.
موضوعات أخرى قد تهمك
تواصل مباشرةً مع المحامي ناصر المطيري لمراجعة وضعك القانوني واتخاذ الخطوة الصحيحة في وقتها.
تواصل مع المحامي عبر واتساب

أسئلة القرّاء وردود المكتب
جزاكم الله خير شرح جيد وافي اعانكم الله واعاننا لما فيه الخير
جزاكم الله خيرا
ولكم بالمثل وزيادة
شرح ممتاز ، نسأل الله لكم التوفيق .
أسعدنا مروركم الكريم.
شرح مميز ورسم توضيحي بارك الله فيكم وراعا جدا