بيع منزل الورثة مع رفض وريث لا يتم بالتراضي دون موافقة جميع الورثة، لكن يستطيع أي وارث رفع دعوى قسمة تركة إجبار عقارية؛ فإذا تعذرت قسمة العقار عينًا حكمت المحكمة ببيعه وقُسّمت حصيلته بين الورثة بحسب أنصبتهم الشرعية.

أهم الشروط الواجب توافرها ليتمكن الورثة من بيع منزل مورثهم هو موافقة جميع الورثة؛ إذ لا يمكن بأي حال المضي قدمًا في بيع المنزل دون الحصول على هذه الموافقة كاملةً، بالإضافة إلى عدد من الشروط سبق أن فصلناها في مقال شروط بيع بيت الورثة.

ولكن قد يحدث أن يرفض الوريث بيع نصيبه من المنزل لأي سببٍ كان، ولا شك أن هذا الرفض سيتسبب في إضرار جسيم بباقي الورثة، كما أنه يتعارض مع المستحب شرعًا من ضرورة التعجيل في قسمة التركة بعد وفاة المورث. وعليه، كان من اللازم إيجاد وسيلة يتمكن بموجبها الورثة من استيفاء نصيبهم من البيت رغم معارضة أحد الورثة.

ومن هنا جاءت أهمية دعوى قسمة الإجبار، وهي ما سنبينه في هذا المقال، مع شرح الإجراءات التي تتم لبيع عقار الورثة.

هل يمكن بيع منزل الورثة مع رفض وريث؟

الأصل أن كافة البيوع يجب أن تتم بالتراضي؛ إذ لا يمكن إجبار أحد على أن يبيع شيئًا يملكه ملكيةً صحيحةً دون رضًا منه، وإنما يجب أن يوافق حتى يصح البيع. ولكن الاعتماد على هذا الأصل في بعض الأحيان يترتب عليه نتائج ظالمة بالنسبة للبعض، وهذا ينطبق على الورثة الذين يكونون راغبين في استيفاء نصيبهم من المنزل الذي خلفه لهم مورثهم، ولكن لا يقدرون لأن أحد الورثة رافض البيع أو القسمة؛ فيظلون معلقين تحت رغبة هذا الوارث المعارض لمجرد أنه يرفض بيع المنزل.

ومن هذا المنطلق، قررت الشريعة الإسلامية الغراء الحق لأي وارث في أن يتقدم إلى محكمة الأحوال الشخصية بدعوى لإصدار حكم ببيع المنزل بالإجبار وقسمة حصيلته بين الورثة. ومستند ذلك ما جاء في الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (ج4/ص636): «وما لا يمكن قسم عينه، إذا طلب أحد الشركاء بيعه وقسم ثمنه: بِيع، وقُسم ثمنه. وهو المذهب المنصوص عن أحمد في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب».

يمكن لأي وارث طلب قسمة العقار قضائيًا، فإذا تعذرت قسمته عينًا حُكم ببيعه وتقسيم ثمنه بحسب الأنصبة الشرعية.

هل يختلف بيع المنزل كاملًا عن بيع الوارث نصيبه فقط؟

المسألة هنا تتعلق برغبة الورثة في بيع البيت بأكمله للحصول على نصيبهم، وهذا يختلف تمامًا عن رغبة أحد الورثة أو بعضهم في بيع أنصبتهم فقط من المنزل. فبيع النصيب متاح، ولا يتوقف على موافقة أو رفض أيٍ من باقي الورثة؛ حتى لو كان أحدهم رافضًا فسيكون البيع نافذًا ولا يملك إلغاءه، إلا لو قرر شراء هذا النصيب بحق الشفعة المقرر شرعًا ونظامًا.

ما دعوى قسمة تركة إجبار عقارية؟

حتى يتمكن الورثة من إجبار الوارث الذي يرفض بيع العقار الذي خلفه مورثهم، يتعين التقدم بدعوى إلى المحكمة المختصة تسمى دعوى قسمة تركة إجبار عقارية. وهي مقررة بموجب المادة الأولى والمادة (18) من لائحة قسمة الأموال المشتركة.

نصّ نظامي — المادة الأولى

«…2- دعوى القسمة: الدعوى التي يرفعها أحد الشركاء طالبًا حصته من المال المشترك..»

لائحة قسمة الأموال المشتركة
نصّ نظامي — المادة 18

«تحكم الدائرة ببيع ما لا يمكن قسمته قسمة إجبار، وتسليم كل شريك نصيبه من ثمنه..»

لائحة قسمة الأموال المشتركة

ونوضح خطوات رفع تلك الدعوى وإجراءات نظرها فيما يلي:

دعوى قسمة تركة إجبار عقارية
دعوى قسمة تركة إجبار عقارية

كيف تُرفع دعوى قسمة التركة العقارية وما إجراءات نظرها؟

  1. المحكمة المختصة: تُرفع دعوى قسمة الإجبار العقارية من خلال منصة ناجز أمام محكمة الأحوال الشخصية الواقعة في مكان إقامة المدعى عليه. وفي حال تعدد المدعى عليهم فتُقام الدعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية الواقعة في مكان إقامة الأكثرية. وإذا كانت المحافظة أو المنطقة التي يقيم فيها المدعى عليهم لا توجد بها محكمة أحوال شخصية، فتُرفع الدعوى أمام دوائر الأحوال الشخصية بالمحكمة العامة الكائنة في تلك المنطقة.
  2. تحرير الدعوى: قبل قيد الدعوى بمنصة ناجز، يتعين تحرير الدعوى تحريرًا كافيًا، بحيث تكون متضمنةً الآتي: (اسم المورث وتاريخ وفاته | أسماء الورثة، وبيان ما إذا كانوا بالغين أو قُصَّر | صك حصر الورثة ورقمه وتاريخه والجهة التي أصدرته | تحديد بيانات العقار المطلوب قسمته وموقعه بالتفصيل | صك ملكية العقار ورقمه وتاريخه وجهة إصداره | صك الولاية على الورثة القُصَّر إن وجدوا | بيان الوصية ومقدارها إن وجدت | التصريح بالديون الثابتة في ذمة المورث إن وجدت | الطلب في الدعوى بأن يُطلب الحكم بقسمة العقار، وإعطاء كل وارث نصيبه الشرعي منه).
  3. قيد الدعوى: بعد تحرير الدعوى وتحضير كافة المستندات المذكورة أعلاه، يتم قيد الدعوى إلكترونيًا عبر منصة ناجز.
  4. التأكد من شروط قبول الدعوى: بعد قيد دعوى القسمة العقارية يتم تحديد موعد جلسة لنظرها أمام القاضي، الذي يستوثق من استيفاء الدعوى لشروط قبولها ابتداءً. فيتأكد من تحرير الدعوى تحريرًا كافيًا، وصك حصر الورثة، والتمثيل الصحيح لجميع الورثة سواء بالأصالة أو الوكالة، وإذا كان بين الورثة قاصر عقلًا أو سنًا فيتحقق القاضي من وجود وليّ أو وصيّ عليه.
  5. حصر الديون: يقوم القاضي بالتأكد من أن المورث ليس عليه ديون، فلو ثبت أن في ذمته دينًا ثابتًا للغير، يتم دفعه من حصيلة بيع العقار أولًا، ثم قسمة المتبقي بين الورثة كلٌ حسب نصيبه.
  6. خلو صك ملكية العقار من الرهن: حتى يتمكن القاضي من القضاء بقسمة العقار بين الورثة، يجب أن يكون صك ملكية العقار خاليًا من الرهن، أي أنه غير مرهون لأي دائن للمورث. ولعل أشهر مثال هنا أن يكون العقار مرهونًا لصندوق التنمية العقاري؛ ففي هذه الحالة لا يملك القاضي القضاء ببيع العقار إلا بعد الحصول على إذن من صاحب الرهن، وإن رفض الأخير فلن يحكم القاضي بالقسمة إلا بعد انتهاء مدة الرهن وإزالته من العقار.
  7. سريان مفعول صك الملكية: النظام يُلزم القاضي بألا يصدر أي حكم متعلق بالعقار إلا بعد الاستيثاق من صحة سريان مفعول صك الملكية. ويتم ذلك من خلال إرسال خطاب استفسار لكتابة العدل الصادر عنها صك الملكية، ومن ثم يُجاب على القاضي بخطاب يبين فيه ما إذا كان الصك سليمًا وساري المفعول أم لا.
  8. الاستعانة بخبير: قد يستعين القاضي بخبير ليبين ما إذا كان يمكن قسمة العقار نفسه عينًا بالإجبار بين الورثة دون إضرار بأيٍ منهم؛ أي يعطي كل وارث شقة أو دورًا من المنزل مثلًا دون ظلم لأي أحد منهم. ويكون تعيين الخبير إما بموافقة جميع الورثة بالدعوى، وفي حال الخلاف يتم تعيينه من خلال القاضي نفسه، ويتحمل جميع الورثة أتعاب الخبير قبل المضي قدمًا في أداء مهمته.
  9. إصدار الحكم: بعد أن يصدر الخبير تقريره يرسله إلى القاضي، ولا يخرج الأمر هنا عن احتمالين:
احتمالا تقرير الخبير والحكم في دعوى القسمة
الاحتمالالنتيجة
إمكانية قسمة العقار نفسه بين الورثةيحكم القاضي بما قرره التقرير، علمًا بأن القاضي غير ملزم بقبول نتيجة التقرير إذا رأى أنه خاطئ أو جاء مبنيًا على أساس غير سليم.
تعذر قسمة العقار نفسه بين الورثةلا يكون أمام القاضي سوى الحكم ببيع العقار في المزاد العلني، ثم قسمة حصيلة البيع بين الورثة كلٌ حسب نصيبه المقرر شرعًا.
إذا كان رفض أحد الورثة قد عطّل قسمة العقار، فيمكن مراجعة مستندات التركة ومسار دعوى القسمة قبل البدء. تواصل مع المكتب.

ما إجراءات بيع عقار الورثة بعد صدور الحكم؟

بعد أن يصدر القاضي حكمه ببيع عقار الورثة بالمزاد العلني، ويكتسب هذا الحكم الصفة النهائية سواء بمضي مهلة الاعتراض دون أن يعترض أيٌ من الورثة، أو بصدور حكم محكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي، يتم الانتقال إلى مرحلة تنفيذ هذا الحكم. وفيها تتم الإجراءات الآتية لبيع العقار:

إجراءات بيع عقار الورثة
إجراءات بيع عقار الورثة
  1. التقديم لمحكمة التنفيذ: للبدء في إجراءات بيع العقار يجب تقديم الحكم الصادر بالبيع إلى محكمة التنفيذ. ويتم تقديم الطلب من خلال أي أحد من الورثة أو بعضهم أو جميعهم، ويكون تقديم طلب التنفيذ من خلال منصة ناجز.
  2. تقييم العقار: أول إجراء يقوم به قاضي التنفيذ بعد أن يصل الطلب إليه هو إحالة العقار إلى هيئة الخبراء لتقييمه وبيان سعره العادل الذي يتفق مع أسعار السوق.
  3. المزاد العلني: بعد أن يصدر تقرير هيئة الخبراء بالسعر العادل لعقار الورثة، يتخذ قاضي التنفيذ إجراءات البيع بالمزاد العلني، والتي تبدأ بالإعلان في الجريدة عن بيع العقار مع بيان تفاصيله ومميزاته. ويكون الإعلان قبل تاريخ المزاد بمدة لا تزيد على (30) يومًا ولا تقل عن (15) يومًا، علمًا بأنه لا يمكن أن يتم البيع بأقل من القيمة التي حددتها هيئة الخبراء.
  4. إعادة المزاد: في حال لم يتقدم أي مشترٍ لشراء العقار بالسعر المحدد من هيئة الخبراء، يحدد قاضي التنفيذ موعدًا آخر لإجراء المزاد، ويتم بيع العقار بما يرسو عليه هذا المزاد. ويملك قاضي التنفيذ السلطة في إعادة تقييم العقار قبل عرضه للمزاد مرة أخرى، سواء من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب من أحد الورثة.
  5. المزايدة من قبل أحد الورثة: المزاد ليس مقصورًا على الغير، بل يكون من حق أيٍ من الورثة المشاركة فيه، طالما تم الإعلان عنه حسب الإجراءات المقررة نظامًا والمبينة أعلاه. وبمجرد تمام البيع ورسوه على أحد المشترين، لا يُقبل طلب الشفعة.
  6. سداد الثمن: يلتزم المشتري الذي يرسو عليه المزاد بسداد كامل ثمن العقار في الحساب الذي يحدده قاضي التنفيذ، ويُفرغ العقار للمشتري. والأصل أن المشتري ملزم بالسداد فور رسو المزاد عليه، ويجوز إمهاله مدة لا تزيد على (10) أيام عمل. فإن لم يسدد، يقوم قاضي التنفيذ بإعادة المزاد مرة أخرى، ويتكلف المشتري رسوم هذه المزايدة وأي نقص قد يحدث في قيمة العقار عن السعر الذي وافق عليه ابتداءً.
  7. قسمة حصيلة البيع: بعد أن يتم البيع وإفراغ العقار للمشتري، يقوم قاضي التنفيذ بقسمة حصيلة البيع على الورثة، كل واحد حسب نصيبه الشرعي، وذلك بعد خصم الديون الثابتة في ذمة المورث إن وجدت.

هل يستطيع الورثة الاتفاق على القسمة أثناء الدعوى؟

يمكن في أي مرحلة من مراحل الدعوى أن يتفق الورثة ويتصالحوا على القسمة، ويصدر القاضي الحكم متضمنًا هذا الصلح والقسمة، ويكون ذا حجية أمامهم جميعًا ولا يجوز نقضه.

ومستند ذلك المادة (70) من نظام المرافعات الشرعية، والمادة (70/3) من اللائحة التنفيذية لهذا النظام.

نصّ نظامي — المادة 70

«للخصوم أن يطلبوا من المحكمة في أي حالة تكون عليها الدعوى تدوين ما اتفقوا عليه من إقرار أو صلح أو غير ذلك في محضر الدعوى، وعلى المحكمة إصدار صك بذلك».

نظام المرافعات الشرعية
نصّ نظامي — المادة 70/3

«ليس للخصوم الاعتراض بطلب الاستئناف -مرافعة أو تدقيقًا- على ما اتفقوا عليه من إقرار أو صلح أو غير ذلك بعد التوقيع عليه في محضر الدعوى».

اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية

أسئلة شائعة عن بيع منزل الورثة وقسمة العقار

هل يمكن بيع منزل الورثة دون موافقة جميع الورثة؟

لا يتم بيع المنزل كاملًا بالتراضي دون موافقة جميع الورثة، لكن يستطيع أي وارث رفع دعوى قسمة تركة إجبار عقارية إذا رفض أحد الورثة البيع أو القسمة.

هل يستطيع الوارث بيع نصيبه وحده من منزل الورثة؟

نعم، بيع الوارث نصيبه فقط لا يتوقف على موافقة أو رفض باقي الورثة، ويكون البيع نافذًا، إلا إذا قرر أحدهم شراء النصيب بحق الشفعة المقرر شرعًا ونظامًا.

ماذا يحدث إذا تعذرت قسمة العقار عينًا بين الورثة؟

إذا انتهى الخبير إلى تعذر قسمة العقار نفسه بين الورثة، يحكم القاضي ببيعه في المزاد العلني، ثم تقسم حصيلة البيع بحسب الأنصبة الشرعية.

هل يمكن للورثة الصلح بعد رفع دعوى القسمة؟

نعم، يمكنهم الاتفاق والتصالح على القسمة في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ويصدر القاضي حكمًا يتضمن الصلح والقسمة ويكون حجة عليهم.

موضوعات قد تهمك

  1. البينة على من ادعى أمام القاضي السعودي
  2. مبطلات السند لأمر الإلكتروني والورقي
  3. تعويض أضرار العقار الممول من البنك
  4. متى يحق للقاضي فسخ النكاح بدون عوض